ابو القاسم عبد الكريم القشيري

59

لطائف الإشارات

من ربهم ويقين وكشف وتحقيق ، وذلك أنه تجلّى لقلوبهم أولا بآياته ثم تجلّى لها بصفاته ثم تجلى لها بحقه وذاته . وقوم « عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ » بدلائل العقول ؛ وضعوها في موضعهما فوصلوا إلى حقائق العلوم ، وقوم على بصيرة ملاطفات التقريب فبمشاهدة الرحمة والكرم وصلوا إلى بيان اليقين ، وآخرون ظهرت الحقيقة لأسرارهم فشهدوا بالغيب حقيقة الصمدية ، فوصلوا بحكم العرفان إلى عين الاستبصار . « وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » الفلاح الظفر بالبغية « 1 » ، والفوز بالطلبة ، ولقد نال القوم البقاء في مشهد اللقاء فظفروا بقهر الأعداء ، وهي غانمة « 2 » النفوس من هواجسها ، ثم زلات القلوب من خواطرها « 3 » ، فوقفوا بالحق للحق بلا واسطة من عقل ، أو رجوع إلى ذكر وفكر . قوله جلّ ذكره : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 6 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) من كان في غطاء وصفه محجوبا عن شهود حقه فالإشارة لنعته أنه سيان عنده قول من دلّه على الحق ، وقول من أعانه على استجلاب الحظ ، بل هو إلى دواعي الغفلة أميل ، وفي الإصغاء إليها أرغب . كيف لا ؟ وهو بكىّ الفرقة موسوم ، وفي سجن الغيبة محبوس ، وعن محل القربة ممنوع ، لا يحصل منهم إيمان ، لأنه ليس لهم من الحق أمان ؛ فلمّا لم يؤمنوا لم يؤمنوا . حكم سبق من اللّه حتم ، وقول له فصل ، وإن القدرة لا تعارض ، ومن زاحم الحق في القضية « 4 » كبسته سطوات العزة ، وقصمته بواده « 5 » الحكم . ويقال إن الكافر لا يرعوى عن ضلالته لما سبق من شقاوته ، وكذلك المربوط بأغلال نفسه محجوب عن شهود غيبه وحقه ، فهو لا يبصر رشده ، ولا يسلك قصده . ويقال إن

--> ( 1 ) وردت في ص ( بالبغتة ) وهي خطأ من الناسخ . ( 2 ) الغاغة مرعى البهائم . ( 3 ) يقول القشيري في رسالته : إن الهاجس خاص بالنفس والخاطر خاص بالقلب ص 46 ، 47 . ( 4 ) القضية هنا معناها القضاء . ( 5 ) البواده ما يفجأ القلب من الغيب على سبيل الوهلة ( الرسالة ص 44 ) .